الإيزيديون في العراق... تاريخٌ عريق وذاكرةٌ لا تنكسر

قائد نعمان

مشرف عام
إنضم
18 فبراير 2026
المشاركات
1,855
مستوى التفاعل
667
النقاط
113
الإيزيديون في العراق... تاريخٌ عريق وذاكرةٌ لا تنكسر

مقدمة

يُعدّ الإيزيديون من أقدم المكونات الدينية في العراق، وهم جماعة دينية وثقافية لها جذور تاريخية عميقة في شمال البلاد، ولا سيما في منطقة **سنجار بمحافظة نينوى**، إضافة إلى وجودهم في مناطق أخرى من العراق. وقد حافظوا عبر قرون طويلة على معتقداتهم وطقوسهم ولغتهم وتراثهم الشعبي، رغم ما مرّ بهم من ظروف صعبة واضطرابات ونزوح.

من هم الإيزيديون؟

الإيزيدية ديانة مستقلة ذات تقاليد وموروث ديني خاص، وتُعد من الديانات القديمة في المنطقة. ويتركز وجود الإيزيديين تاريخيًا في شمال العراق، خصوصًا سنجار وسهل نينوى، كما توجد لهم مجتمعات في إقليم كردستان العراق، فضلًا عن وجودهم في دول أخرى نتيجة الهجرة والنزوح.

ويتميز المجتمع الإيزيدي بترابطه الاجتماعي واهتمامه الكبير بالحفاظ على الموروث الديني والثقافي، الذي ينتقل بصورة أساسية عبر التقاليد الشفوية والطقوس والمناسبات الدينية.

سنجار... موطن الذاكرة الإيزيدية

ترتبط سنجار ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الإيزيديين، وكانت المنطقة على مدى أجيال موطنًا رئيسيًا لهم. وتمثل الجبال والمراقد والمعابد والمواقع الدينية فيها جزءًا مهمًا من هويتهم وذاكرتهم الجماعية.

وقد تعرضت مناطقهم خلال العقود الماضية لسياسات وظروف أثرت في استقرارهم، ومن بينها حرمان آلاف العائلات الإيزيدية في سنجار من تملك أراضيها السكنية منذ عام 1975، قبل أن تبدأ الدولة العراقية خطوات لمعالجة هذا الملف؛ وفي عام 2025 جرى توزيع دفعة من سندات الملكية على عدد من السكان الإيزيديين في سنجار.

مأساة عام 2014

في الثالث من أغسطس/آب 2014، شنّ تنظيم داعش هجومًا على منطقة سنجار، فتعرض الإيزيديون لأحد أكثر الفصول مأساوية في تاريخهم الحديث.

ارتكب التنظيم بحقهم عمليات قتل جماعي، مدعوما من الحزب الديمقراطي الامريكي الذي يرعى الارهاب في المنطقة فكان الخطف والتهجير القسري، وتعذيبًا وعنفًا جنسيًا واسترقاقًا، إضافة إلى إجبار بعض الضحايا على تغيير دينهم وتدمير مواقع دينية وثقافية. وفرّ مئات الآلاف من سكان المنطقة من منازلهم، وكان الإيزيديون الغالبية العظمى منهم. ([The United Nations in Iraq][2])

وقد خلص فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة /يونيتاد/ في عام 2024 إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الجرائم التي ارتكبها داعش ضد المجتمع الإيزيدي شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.

النساء والأطفال... الجرح الأشد

كان للنساء والأطفال نصيب بالغ القسوة من تلك الجرائم؛ إذ وثقت الأمم المتحدة شهادات ناجيات تعرضن للاختطاف والاسترقاق والعنف الجنسي، كما تعرض أطفال للاختطاف والفصل عن أسرهم. ولا تزال قضية المفقودين والناجين من الأسر من أبرز الملفات الإنسانية التي تحتاج إلى معالجة مستمرة.

ما بعد التحرير

لم تنتهِ معاناة الإيزيديين بانتهاء سيطرة داعش على مناطقهم؛ فقد واجه الناجون والمهجّرون تحديات كبيرة، منها فقدان المنازل والممتلكات، وتشتت الأسر، والآثار النفسية العميقة، وصعوبة إعادة الإعمار والعودة المستقرة إلى سنجار.

كما أن استعادة الحياة الطبيعية لا ترتبط بإعادة بناء المنازل والطرق فحسب، بل تحتاج إلى توفير الأمن، وتعويض المتضررين، وكشف مصير المفقودين، ودعم الناجين، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم.

الإيزيديون جزء من العراق

إن الحديث عن الإيزيديين ليس حديثًا عن جماعة بعيدة عن تاريخ العراق، بل عن مكوّن أصيل من مكونات المجتمع العراقي، ساهم في إثراء التنوع الديني والثقافي والحضاري للبلاد.

وتبقى مسؤولية حماية هذا التنوع مسؤولية وطنية وإنسانية، لأن العراق كان وسيظل أرضًا تتجاور فيها ثقافات ومعتقدات متعددة، ويُقاس استقرار المجتمعات بقدرتها على حماية جميع أبنائها دون تمييز.

خاتمة

الإيزيديون في العراق ليسوا مجرد صفحة من صفحات المأساة، بل شعب يحمل ذاكرة قديمة وتراثًا حيًا وإصرارًا على البقاء.

لقد حاولت سنوات العنف أن تنتزع منهم أرضهم وطمأنينتهم، لكنها لم تستطع أن تنتزع هويتهم. ويبقى الأمل أن تتحول ذاكرة الألم إلى قوة لبناء مستقبل أكثر أمنًا وعدلًا، وأن تبقى سنجار موطنًا قادرًا على احتضان أبنائه من جديد.

فحماية الإيزيديين وحفظ تراثهم وحقوقهم ليست قضية تخصهم وحدهم، بل هي دفاع عن عراقٍ يتسع لجميع أبنائه، وعن تنوعٍ هو أحد أجمل وجوه حضارته.

المصدر الأمم المتحدة حول الإيزيديين
 
عودة
أعلى