المدينة المنورة، يحمل في قلبه هدوء الحرمين،
وعلى كتفيه غبار سفر طويل. لم يكن يعرف أن
خطواته ستقوده إلى حكاية تكتب لا تنسى.
وقف على ضفاف شط العرب، حيث الماء يلمع
كمرآة تفضح أسرار القلوب، وهناك… لمحها.
امرأة تجلس خلف صينية من القيمر، كأنها قطعة من
صباح طري، عيناها تلمعان مثل ضوء خجول على
صفحة النهر، وابتسامتها تحمل شيئا من دفء
البيوت القديمة في البصرة.
قال في نفسه:
"ما بال القيمر اليوم يبدو أشهى… أم أن الجمال هو
من غير طعمه؟"
اقترب، لا ليشتري… بل ليقترب أكثر من تلك النظرة
التي سكنت قلبه دون استئذان. ناولته قطعة
صغيرة، وقالت بلطف بصري دافئ:
"تفضل… جرب، هذا من خيرات الصبح"
أخذها، لكن يده ارتجفت قليلا… ليس من الجوع،
بل من شيء لم يعرفه من قبل. نظر إليها، فالتقت
العيون، وفي لحظة صامتة، قال كل شيء… دون
كلمة.
مر الناس، وتعاقب النهار، لكنه بقي هناك، كأن
الزمن توقف بين بائعته الغامضة، وذاك القلب
القادم من مدينة بعيدة.
ومنذ ذلك اليوم، صار الشط موعده…
وصارت القيمر حكاية…
وصارت هي، السبب الذي جعل المدينة البعيدة
تقترب فجأة، حتى سكنت قلبه دون رحيل.
-لكم تحياتي-


