أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
د. خالد سعد النجار
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} البيت: بناء يأوي واحدا أو جماعة، فيكون بيت سكنى، وبيت صلاة، وبيت ندوة، ويكون مبنيا من حجر أو من أثواب نسيج شعر أو صوف، ويكون من أدم فيسمى قبة، قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً} [النحل:81].
{وُضِعَ} أسس وأثبت، ومنه سمي المكان موضعا، وأصل الوضع أنه الحط ضد الرفع.
{لِلنَّاسِ} أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده. والواضع هو الله تعالى.
وهذا البيت كان أول بيت وضع للهدى وإعلان توحيد الله ليكون علما مشهودا بالحس على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعا لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممر العصور، دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده، وهو ماثل، كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى، فدل على أن الدين الذي قارن إقامته هو الدين المراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ} [آل عمران:19].
قال ابن عاشور: والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها. وظاهر الآية أن الكعبة أول البيوت المبنية في الأرض، فتمسك بهذا الظاهر مجاهد، وقتادة، والسدي، وجماعة، فقالوا: هي أول بناء، وقالوا: أنها كانت مبنية من عهد آدم عليه السلام ثم درست، فجددها إبراهيم، قال ابن عطية: "ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها"، ولكن المحققين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر، وتأولوا الآية. قال علي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: " كان قبل البيت بيوت كثيرة" ولا شك أن الكعبة بناها إبراهيم، وقد تعدد في القرآن ذكر ذلك، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون أول بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم، لأن قبل إبراهيم أمما وعصورا كان فيها البناء، وأشهر ذلك برج بابل، بني إثر الطوفان، وما بناه المصريون قبل عهد إبراهيم، وما بناه الكلدان في بلد إبراهيم قبل رحلته إلى مصر، ومن ذلك بيت أصنامهم، وذلك قبل أن تصير إليه هاجر التي أهداها له ملك مصر، وقد حكى القرآن عنهم {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات:97] فتعين تأويل الآية بوجه ظاهر، وقد سلك العلماء مسالك فيه: وهي راجعة إلى تأويل الأول، أو تأويل البيت، أو تأويل فعل وضع، أو تأويل الناس، أو تأويل نظم الآية.
والذي أراه في التأويل أن القرآن كتاب دين وهدى، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأولية في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى أنه أول بيت عبادة حقة وضع لإعلان التوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله: {وُضِعَ لِلنَّاسِ} المقتضي أنه من وضع واضع لمصلحة الناس، لأنه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه الناس، وبقرينة مجيء الحالين بعد؛ وهما قوله: {مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ}.
وهذا تأويل في معنى بيت، وإذا كان أول بيت عبادة حق، كان أول معهد للهدى، فكان كل هدى مقتبسا منه فلا محيص لكل قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله، وذلك يوجب اتباع الملة المبنية على أسس ملة بانية، وهذا المفاد من تفريع قوله: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [البقرة:95] وتأول الآية علي بن أبي طالب، فروى عنه أن رجلا سأله: أهو أول بيت? قال: "لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا وهدى" فجعل مباركا وهدى حالين من الضمير في {وضع} لا من اسم الموصول، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلا على معنى انه أول بيت من بيوت الهدى كما قلنا.
وعندي أنه يجوز أن يكون المراد من الناس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنصارى والمسلمين، وكلهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام فأول معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنه أفضل مما سواه من بيوت عبادتهم.
** وفيه أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله؛ لقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}. وهذا يراد به التفضيل، ولهذا قال العلماء: إن المسجد الأسبق في إقامة الجماعة فيه أفضل من المسجد الحديث. فإذا كان حول الإنسان مسجدان الأول قديم، والآخر جديد، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة أخرى، فإن القديم أفضل من الجديد لسبقه من العبادة فيه.
قال ابن عاشور: وإنما كانت الأولية موجبة التفضيل لأن مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة، إذ هي في ذلك سواء، ولكنها تتفاضل بما يحف بذلك من طول أزمان التعبد فيها، وبنسبتها إلى بانيها، وبحسن المقصد في ذلك، وقد قال تعالى في مجسد قباء: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108].
وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحق، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون. فإن إبراهيم بني الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمان بني بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول. وأما بيت المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره.
{لَلَّذِي بِبَكَّةَ} لغة في مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، تقول: "ضربة لازم ولازب"، "وأربد وأرمد" أي في لون الرماد، وسُمِّيت بذلك لأنها تَبُكّ [تدق وتقطع] أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى: يُبَكون [يذلون] بها ويخضعون عندها. لم يقصِدْها جبارٌ إلا قصمَه الله عز وجل.
وفي ترك الموصوفِ من التفخيم ما لا يخفى، فعدل عن تعريف البيت باسمه العلم بالغلبة، وهو الكعبة، إلي تعريفه بالموصولية بأنه الذي ببكة: لأن هذه الصلة صارت أشهر في تعينه عند السامعين، إذ ليس في مكة يومئذ بيت للعبادة غيره، بخلاف اسم الكعبة: فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقبوه الكعبة اليمانية.
والكلام شروعٌ في بيان كفرِهم ببعضٍ آخرَ من شعائر ملتِه عليه السلام إثرَ بيانِ كفرِهم بكون كلِّ المطعومات حِلاًّ له عليه السلام. بالرّد على اليهود الذين قالوا إن بيت المقدس هي أول قبلة شرع للناس استقبالها فَلِمَ يعدل محمد وأصحابه عنها إلى استقبال الكعبة، وهي متأخرة الوجود؟ فأخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس هو الكعبة لا بيت المقدس. ولذلك سمي بالبيت العتيق.
روى البخاري عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ) [أي سنة] ثُمَّ قَالَ: (حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ) وفي رواية للبخاري أيضا: (أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ) أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها، فنبه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت لا يتوقف على المكان الأفضل.
ولا يشك أحد أن باني المسجد الحرام إبراهيم كما لا يشك أحد بأن باني المسجد الأقصى داود وابنه سليمان من بعده، وكان بين إبراهيم وبينهما من المدد ما يتجاوز عن الأربعين بأمثالها، ولكن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما كان بين وضعهما لا عن مدة ما بين بنائهما، فيحتمل أن يكون واضع المسجد الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان ثم بناه داود وابنه في الوقت الذي بنياه فيه، وكذلك يجب أن يحمل تأويل مثله عليه.. قال علي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "إذا حدثتم عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حديثا فظنوا برسول الله اهناه وانقاه واهداه".
قال ابن عاشور: لاشك أن بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود، وأشار إليه القرآن في قوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} [سبأ:13] الآية، فالظاهر أن إبراهيم لما مر ببلاد الشام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسله عين الله له الموضع الذي سيكون به أكبر مسجد تبنيه ذريته، فأقام هنالك مسجدا صغيرا شكرا لله تعالى، وجعله على الصخرة المجعولة مذبحا للقربان. وهي الصخرة التي بنى سليمان عليها المسجد، فلما كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه، وهذا من العلم لذي أهملته كتب اليهود، وقد ثبت في سفر التكوين إن إبراهيم بنى مذابح في جهات مر عليها من أرض الكنعانيين لأن الله أخبره أنه يعطي تلك الأرض لنسله، فالظاهر أنه بنى أيضا بموضع مسجد أورشليم مذبحا.
{مُبَارَكًا} البركة: زيادة في الخير.. أي بركة تدوم بدوام الدنيا ولا تفارقه، وجعلت البركة فيه بجعل الله تعالى، إذ قدر أن يكون داخله مثابا ومحصلا على خير يبلغه على مبلغ نيته، وقدر لمجاوريه وسكان بلده أن يكونوا ببركة زيادة الثواب ورفاهية الحال، وأمر بجعل داخله آمنا، وقدر ذلك بين الناس فكان ذلك كله بركة.
د. خالد سعد النجار
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} البيت: بناء يأوي واحدا أو جماعة، فيكون بيت سكنى، وبيت صلاة، وبيت ندوة، ويكون مبنيا من حجر أو من أثواب نسيج شعر أو صوف، ويكون من أدم فيسمى قبة، قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً} [النحل:81].
{وُضِعَ} أسس وأثبت، ومنه سمي المكان موضعا، وأصل الوضع أنه الحط ضد الرفع.
{لِلنَّاسِ} أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده. والواضع هو الله تعالى.
وهذا البيت كان أول بيت وضع للهدى وإعلان توحيد الله ليكون علما مشهودا بالحس على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعا لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممر العصور، دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده، وهو ماثل، كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى، فدل على أن الدين الذي قارن إقامته هو الدين المراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ} [آل عمران:19].
قال ابن عاشور: والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها. وظاهر الآية أن الكعبة أول البيوت المبنية في الأرض، فتمسك بهذا الظاهر مجاهد، وقتادة، والسدي، وجماعة، فقالوا: هي أول بناء، وقالوا: أنها كانت مبنية من عهد آدم عليه السلام ثم درست، فجددها إبراهيم، قال ابن عطية: "ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها"، ولكن المحققين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر، وتأولوا الآية. قال علي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: " كان قبل البيت بيوت كثيرة" ولا شك أن الكعبة بناها إبراهيم، وقد تعدد في القرآن ذكر ذلك، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون أول بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم، لأن قبل إبراهيم أمما وعصورا كان فيها البناء، وأشهر ذلك برج بابل، بني إثر الطوفان، وما بناه المصريون قبل عهد إبراهيم، وما بناه الكلدان في بلد إبراهيم قبل رحلته إلى مصر، ومن ذلك بيت أصنامهم، وذلك قبل أن تصير إليه هاجر التي أهداها له ملك مصر، وقد حكى القرآن عنهم {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات:97] فتعين تأويل الآية بوجه ظاهر، وقد سلك العلماء مسالك فيه: وهي راجعة إلى تأويل الأول، أو تأويل البيت، أو تأويل فعل وضع، أو تأويل الناس، أو تأويل نظم الآية.
والذي أراه في التأويل أن القرآن كتاب دين وهدى، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأولية في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى أنه أول بيت عبادة حقة وضع لإعلان التوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله: {وُضِعَ لِلنَّاسِ} المقتضي أنه من وضع واضع لمصلحة الناس، لأنه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه الناس، وبقرينة مجيء الحالين بعد؛ وهما قوله: {مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ}.
وهذا تأويل في معنى بيت، وإذا كان أول بيت عبادة حق، كان أول معهد للهدى، فكان كل هدى مقتبسا منه فلا محيص لكل قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله، وذلك يوجب اتباع الملة المبنية على أسس ملة بانية، وهذا المفاد من تفريع قوله: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [البقرة:95] وتأول الآية علي بن أبي طالب، فروى عنه أن رجلا سأله: أهو أول بيت? قال: "لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا وهدى" فجعل مباركا وهدى حالين من الضمير في {وضع} لا من اسم الموصول، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلا على معنى انه أول بيت من بيوت الهدى كما قلنا.
وعندي أنه يجوز أن يكون المراد من الناس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنصارى والمسلمين، وكلهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام فأول معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنه أفضل مما سواه من بيوت عبادتهم.
** وفيه أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله؛ لقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}. وهذا يراد به التفضيل، ولهذا قال العلماء: إن المسجد الأسبق في إقامة الجماعة فيه أفضل من المسجد الحديث. فإذا كان حول الإنسان مسجدان الأول قديم، والآخر جديد، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة أخرى، فإن القديم أفضل من الجديد لسبقه من العبادة فيه.
قال ابن عاشور: وإنما كانت الأولية موجبة التفضيل لأن مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة، إذ هي في ذلك سواء، ولكنها تتفاضل بما يحف بذلك من طول أزمان التعبد فيها، وبنسبتها إلى بانيها، وبحسن المقصد في ذلك، وقد قال تعالى في مجسد قباء: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108].
وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحق، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون. فإن إبراهيم بني الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمان بني بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول. وأما بيت المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره.
{لَلَّذِي بِبَكَّةَ} لغة في مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، تقول: "ضربة لازم ولازب"، "وأربد وأرمد" أي في لون الرماد، وسُمِّيت بذلك لأنها تَبُكّ [تدق وتقطع] أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى: يُبَكون [يذلون] بها ويخضعون عندها. لم يقصِدْها جبارٌ إلا قصمَه الله عز وجل.
وفي ترك الموصوفِ من التفخيم ما لا يخفى، فعدل عن تعريف البيت باسمه العلم بالغلبة، وهو الكعبة، إلي تعريفه بالموصولية بأنه الذي ببكة: لأن هذه الصلة صارت أشهر في تعينه عند السامعين، إذ ليس في مكة يومئذ بيت للعبادة غيره، بخلاف اسم الكعبة: فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقبوه الكعبة اليمانية.
والكلام شروعٌ في بيان كفرِهم ببعضٍ آخرَ من شعائر ملتِه عليه السلام إثرَ بيانِ كفرِهم بكون كلِّ المطعومات حِلاًّ له عليه السلام. بالرّد على اليهود الذين قالوا إن بيت المقدس هي أول قبلة شرع للناس استقبالها فَلِمَ يعدل محمد وأصحابه عنها إلى استقبال الكعبة، وهي متأخرة الوجود؟ فأخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس هو الكعبة لا بيت المقدس. ولذلك سمي بالبيت العتيق.
روى البخاري عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ) [أي سنة] ثُمَّ قَالَ: (حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ) وفي رواية للبخاري أيضا: (أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ) أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها، فنبه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت لا يتوقف على المكان الأفضل.
ولا يشك أحد أن باني المسجد الحرام إبراهيم كما لا يشك أحد بأن باني المسجد الأقصى داود وابنه سليمان من بعده، وكان بين إبراهيم وبينهما من المدد ما يتجاوز عن الأربعين بأمثالها، ولكن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما كان بين وضعهما لا عن مدة ما بين بنائهما، فيحتمل أن يكون واضع المسجد الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان ثم بناه داود وابنه في الوقت الذي بنياه فيه، وكذلك يجب أن يحمل تأويل مثله عليه.. قال علي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "إذا حدثتم عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حديثا فظنوا برسول الله اهناه وانقاه واهداه".
قال ابن عاشور: لاشك أن بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود، وأشار إليه القرآن في قوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} [سبأ:13] الآية، فالظاهر أن إبراهيم لما مر ببلاد الشام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسله عين الله له الموضع الذي سيكون به أكبر مسجد تبنيه ذريته، فأقام هنالك مسجدا صغيرا شكرا لله تعالى، وجعله على الصخرة المجعولة مذبحا للقربان. وهي الصخرة التي بنى سليمان عليها المسجد، فلما كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه، وهذا من العلم لذي أهملته كتب اليهود، وقد ثبت في سفر التكوين إن إبراهيم بنى مذابح في جهات مر عليها من أرض الكنعانيين لأن الله أخبره أنه يعطي تلك الأرض لنسله، فالظاهر أنه بنى أيضا بموضع مسجد أورشليم مذبحا.
{مُبَارَكًا} البركة: زيادة في الخير.. أي بركة تدوم بدوام الدنيا ولا تفارقه، وجعلت البركة فيه بجعل الله تعالى، إذ قدر أن يكون داخله مثابا ومحصلا على خير يبلغه على مبلغ نيته، وقدر لمجاوريه وسكان بلده أن يكونوا ببركة زيادة الثواب ورفاهية الحال، وأمر بجعل داخله آمنا، وقدر ذلك بين الناس فكان ذلك كله بركة.
شطوط نشيط
مشاركات: 52
اشترك في: الأحد 2026/3/22 5:03 am
تسلم ايدددك
سبحان الله على كرمه
عاشت ايدك قائد
جزاكم الله خير
وبارك فيكم
وبارك فيكم
معلومات
المتصفحون للمنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد
